إسم الكتاب : الخلاف ( عدد الصفحات : 732)


الكتاب : الخلاف ( الجزء الأول )
المؤلف : شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي
التحقيق : جماعة من المحققين
الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
التاريخ : جمادى الآخرة 1407 ه‍


الكتاب : الخلاف ( الجزء الأول ) المؤلف : شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي التحقيق : جماعة من المحققين الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة التاريخ : جمادى الآخرة 1407 ه‍

2


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
لا شك أن كتاب " الخلاف " هو من الكتب المعروفة المشهورة عند الإمامية لأن
مؤلف هذا السفر العظيم هو شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضوان الله
عليه حيث إن مكانة الشيخ وثروته العلمية الغزيرة في غنى عن البيان ، فمن لاحظ
تاريخ الإمامية ومعاجمعهم وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ علم أنه أكبر علماء الدين وشيخ
كافة المجتهدين والقدوة لجميع المتضلعين ، وأن الهدف من تأليف كتابه هذا كما يستفاد
من مقدمته رحمه الله هو درج الخلاف في المسائل الفرعية بين الخاصة والعامة بنحو
استدلالي جامع ، وبيان النظرية الصائبة والرأي الصحيح الموافق للكتاب العزيز والسنة
الشريفة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام .
فمن هنا يعلم أن علماءنا رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا متعصبين بل هدفهم هو
العثور على الرأي الصائب الذي يكون معاضدا بالكتاب والسنة ، فمن الحري أن يتخذ
هذا طريقا في البحث العلمي .
وقبل سنين كانت المؤسسة في صدد طبع هذا الكتاب بصورة أنيقة وكاملة لكي
يستفاد أكثر فأكثر من أفكار شيخ الطائفة . وقد أكد على هذا الأمر سماحة آية الله
العظمى الشيخ المنتظري دام ظله الوارف .
وقد اطلعت هذه المؤسسة أخيرا على تحقيق أنيق قام به جماعة من المحققين


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
لا شك أن كتاب " الخلاف " هو من الكتب المعروفة المشهورة عند الإمامية لأن مؤلف هذا السفر العظيم هو شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضوان الله عليه حيث إن مكانة الشيخ وثروته العلمية الغزيرة في غنى عن البيان ، فمن لاحظ تاريخ الإمامية ومعاجمعهم وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ علم أنه أكبر علماء الدين وشيخ كافة المجتهدين والقدوة لجميع المتضلعين ، وأن الهدف من تأليف كتابه هذا كما يستفاد من مقدمته رحمه الله هو درج الخلاف في المسائل الفرعية بين الخاصة والعامة بنحو استدلالي جامع ، وبيان النظرية الصائبة والرأي الصحيح الموافق للكتاب العزيز والسنة الشريفة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام .
فمن هنا يعلم أن علماءنا رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا متعصبين بل هدفهم هو العثور على الرأي الصائب الذي يكون معاضدا بالكتاب والسنة ، فمن الحري أن يتخذ هذا طريقا في البحث العلمي .
وقبل سنين كانت المؤسسة في صدد طبع هذا الكتاب بصورة أنيقة وكاملة لكي يستفاد أكثر فأكثر من أفكار شيخ الطائفة . وقد أكد على هذا الأمر سماحة آية الله العظمى الشيخ المنتظري دام ظله الوارف .
وقد اطلعت هذه المؤسسة أخيرا على تحقيق أنيق قام به جماعة من المحققين

3


وبإشراف حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ مجتبى العراقي أدام الله توفيقاتهم ، وقد
تحقق ما كان تستهدفه المؤسسة ولله الحمد ، وبما أن المؤسسة رغبت أن تؤدي خدمة
في هذا المجال قامت بطبع هذا الكتاب وبهذه الصورة ، سائلة الله سبحانه أن يوفقها
لنشر الكتب العلمية الإسلامية وتقديمها لرواد العلم والفضيلة إنه خير ناصر ومعين .
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


وبإشراف حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ مجتبى العراقي أدام الله توفيقاتهم ، وقد تحقق ما كان تستهدفه المؤسسة ولله الحمد ، وبما أن المؤسسة رغبت أن تؤدي خدمة في هذا المجال قامت بطبع هذا الكتاب وبهذه الصورة ، سائلة الله سبحانه أن يوفقها لنشر الكتب العلمية الإسلامية وتقديمها لرواد العلم والفضيلة إنه خير ناصر ومعين .
مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

4


< فهرس الموضوعات >
المقدمة
< / فهرس الموضوعات >
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين ،
وشيد أعلام الدين بكتابه المبين ، وبين أحكام أصوله ومنهج شريعته بمحكم
التبيين .
والصلاة والسلام على خير خلقه ، وأشرف بريته الذي لا ينطق عن الهوى ،
إن هو إلا وحي يوحى ، وعلى آله الأطهار الأئمة المنتجبين ، واللعنة الدائمة على
أعدائهم أعداء الله إلى قيام يوم الدين .
قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : " كل شئ يعز إذا نزر ، ما
خلا العلم فإنه يعز إذا غزر " .
ومن أجل العلوم شأنا ، وأعظمها شرفا ، وأعلاها قدرا ، هو علم الفقه ،
فبالفقه يتعرف الإنسان على أحكامه اليومية .
فصنف علماء الإسلام في شتى العلوم ، ومختلف الفنون ، تصانيف عديدة
وتآليف كثيرة . . . يتقدم الركب أعلام الإمامية بآثارهم الباهرة ،
واحتجاجاتهم القاهرة ، وأدلتهم الساطعة الظاهرة . فغاصوا في أعماق وكنه تلك
المعارف الإلهية الحقة ، سائرين على نهج وخطى أئمتهم المعصومين الغر الميامين .
لا يحيدون عنهم قيد أنملة . . . فمنهم من أطنب فأجاد ، ومنهم من أوجز فأفاد ، فلله
درهم وعليه أجرهم .


< فهرس الموضوعات > المقدمة < / فهرس الموضوعات > تقديم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أوضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين ، وشيد أعلام الدين بكتابه المبين ، وبين أحكام أصوله ومنهج شريعته بمحكم التبيين .
والصلاة والسلام على خير خلقه ، وأشرف بريته الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وعلى آله الأطهار الأئمة المنتجبين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الله إلى قيام يوم الدين .
قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : " كل شئ يعز إذا نزر ، ما خلا العلم فإنه يعز إذا غزر " .
ومن أجل العلوم شأنا ، وأعظمها شرفا ، وأعلاها قدرا ، هو علم الفقه ، فبالفقه يتعرف الإنسان على أحكامه اليومية .
فصنف علماء الإسلام في شتى العلوم ، ومختلف الفنون ، تصانيف عديدة وتآليف كثيرة . . . يتقدم الركب أعلام الإمامية بآثارهم الباهرة ، واحتجاجاتهم القاهرة ، وأدلتهم الساطعة الظاهرة . فغاصوا في أعماق وكنه تلك المعارف الإلهية الحقة ، سائرين على نهج وخطى أئمتهم المعصومين الغر الميامين .
لا يحيدون عنهم قيد أنملة . . . فمنهم من أطنب فأجاد ، ومنهم من أوجز فأفاد ، فلله درهم وعليه أجرهم .

5


وظهر - بذلك - على مسرح الأحداث أعلام أشير لهم بالبنان ، فأهاب بهم
التاريخ ، وعنت لهم عروش الجبابرة ، وطأطأ لهم طواغيت العصر . فأذعن
لفضلهم وعلمهم القاصي والداني ، فتلألأت أنوارهم الوهاجة ، فأضاؤا ما
حولهم ، وامتازوا عن أقرانهم بمواهب خلاقة ، وخصال حميدة ، وسجايا طيبة
رشيدة ، فأسسوا بذلك مجدهم المؤثل ، وآراءهم الخالدة ، على مر الدهور وكر
العصور ( 1 ) .
وممن نحا هذا المنحى ، وسار على الطريقة المثلى ، وشق طريقه المملوء
بالأشواك والعراقيل لإرساء القواعد الصلدة ، وبذر اللبنة الصالحة ، هو : " شيخ
الطائفة الحقة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي " .
فالطوسي كما يعرفه كل من له أيسر إلمام بالثقافة الإسلامية ، علم خفاق
في عالم الفكر الإسلامي ، وشخصية فريدة من نوعها في تاريخ الإسلام .
فهو كالطود الشامخ في آثاره ، واليم الخضم المتلاطم الأمواج في أفكاره
وآرائه ، وهو بحق قطب رحى الدين ، وأحد أكبر دعائم الإسلام ، عماد الشيعة ،
ورافع أعلام الشريعة .
فالثقافة الإسلامية بكل فروعها مدينة لجهود هذا الرجل العظيم ، الذي نذر
حياته لخدمة الإسلام ، وأدى إلى الفكر الإسلامي خدمة منقطعة النظير .
ولادته :
ولد الشيخ الطوسي في طوس خراسان ، في شهر رمضان عام 385 هجرية ،


وظهر - بذلك - على مسرح الأحداث أعلام أشير لهم بالبنان ، فأهاب بهم التاريخ ، وعنت لهم عروش الجبابرة ، وطأطأ لهم طواغيت العصر . فأذعن لفضلهم وعلمهم القاصي والداني ، فتلألأت أنوارهم الوهاجة ، فأضاؤا ما حولهم ، وامتازوا عن أقرانهم بمواهب خلاقة ، وخصال حميدة ، وسجايا طيبة رشيدة ، فأسسوا بذلك مجدهم المؤثل ، وآراءهم الخالدة ، على مر الدهور وكر العصور ( 1 ) .
وممن نحا هذا المنحى ، وسار على الطريقة المثلى ، وشق طريقه المملوء بالأشواك والعراقيل لإرساء القواعد الصلدة ، وبذر اللبنة الصالحة ، هو : " شيخ الطائفة الحقة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي " .
فالطوسي كما يعرفه كل من له أيسر إلمام بالثقافة الإسلامية ، علم خفاق في عالم الفكر الإسلامي ، وشخصية فريدة من نوعها في تاريخ الإسلام .
فهو كالطود الشامخ في آثاره ، واليم الخضم المتلاطم الأمواج في أفكاره وآرائه ، وهو بحق قطب رحى الدين ، وأحد أكبر دعائم الإسلام ، عماد الشيعة ، ورافع أعلام الشريعة .
فالثقافة الإسلامية بكل فروعها مدينة لجهود هذا الرجل العظيم ، الذي نذر حياته لخدمة الإسلام ، وأدى إلى الفكر الإسلامي خدمة منقطعة النظير .
ولادته :
ولد الشيخ الطوسي في طوس خراسان ، في شهر رمضان عام 385 هجرية ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) راجع كتابي الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، وطبقات أعلام الشيعة للبحاثة الكبير والمتتبع الشهير
الشيخ آقا بزرك الطهراني ، وأعيان الشيعة لآية الله السيد محسن الأمين العاملي ، وتأسيس
الشيعة لعلوم الإسلام لآية الله السيد حسن الصدر .

( 1 ) راجع كتابي الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، وطبقات أعلام الشيعة للبحاثة الكبير والمتتبع الشهير الشيخ آقا بزرك الطهراني ، وأعيان الشيعة لآية الله السيد محسن الأمين العاملي ، وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام لآية الله السيد حسن الصدر .

6


بعد وفاة الشيخ الصدوق أحد أكبر محدثي الشيعة بأربع سنين . . . فرضع من
ثدي الإيمان الصادق ، والولاية المخلصة الحقة ، وتربى تربية سالمة من شوائب
الأدران ، فجعلت منه أمة في وضعه وسيرته ، أمة في أخلاقه وأفعاله ، وبالتالي
أمة عظمي في فكره وقلمه .
فكان شعلة وهاجة لا تنطفئ في جولان من الخواطر ، يبرمج ويخطط
لمستقبله الزاهر الذي ينتظره .
فدرس أولا في مدارس خراسان ، وقطع بذلك أشواطا عالية من العلم
والمعرفة ، ولما لم يجد ما يطفي غليل ظمأه ، شد الرحال إلى بغداد - عاصمة العلم
آنذاك - في عام 408 هجرية بعد وفاة السيد الرضي بسنتين ، للاغتراف من
نمير علمائها ، والارتشاف من مناهل غدرانها ، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما ،
وذلك أبان زعامة ومرجعية شيخ الفرقة الحقة آنذاك ( محمد بن محمد بن
النعمان ) المشتهر بالشيخ المفيد ، عطر الله رمسه ، ونور الله ضريحه .
فلازم الشيخ المفيد ملازمة الظل للاستزادة من عبيق يمه الصافي ، والغور في
بحر علومه . كما وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى عام
411 هجرية .
وتتلمذ على أبي الحسين ، علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد القمي الذي
يروي عنه النجاشي .
وفي عام 413 هجرية التحق الشيخ المفيد بالرفيق الأعلى ، وانتقلت زعامة
الطائفة إلى السيد الشريف المرتضى ، فانضوى الطوسي تحت لوائه ، واهتم
السيد به غاية الاهتمام ، وبالغ في إجلاله وتقديره والترحيب به ، وكان يدر
عليه من المعاش في كل شهر اثني عشر دينارا ، فلم يكد ليغيب يوما واحدا عن
درس أستاذه الأعظم ، همه الاستماع لآرائه وأفكاره ، والتدقيق في معانيها
ونقضها وإبرامها .


بعد وفاة الشيخ الصدوق أحد أكبر محدثي الشيعة بأربع سنين . . . فرضع من ثدي الإيمان الصادق ، والولاية المخلصة الحقة ، وتربى تربية سالمة من شوائب الأدران ، فجعلت منه أمة في وضعه وسيرته ، أمة في أخلاقه وأفعاله ، وبالتالي أمة عظمي في فكره وقلمه .
فكان شعلة وهاجة لا تنطفئ في جولان من الخواطر ، يبرمج ويخطط لمستقبله الزاهر الذي ينتظره .
فدرس أولا في مدارس خراسان ، وقطع بذلك أشواطا عالية من العلم والمعرفة ، ولما لم يجد ما يطفي غليل ظمأه ، شد الرحال إلى بغداد - عاصمة العلم آنذاك - في عام 408 هجرية بعد وفاة السيد الرضي بسنتين ، للاغتراف من نمير علمائها ، والارتشاف من مناهل غدرانها ، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما ، وذلك أبان زعامة ومرجعية شيخ الفرقة الحقة آنذاك ( محمد بن محمد بن النعمان ) المشتهر بالشيخ المفيد ، عطر الله رمسه ، ونور الله ضريحه .
فلازم الشيخ المفيد ملازمة الظل للاستزادة من عبيق يمه الصافي ، والغور في بحر علومه . كما وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى عام 411 هجرية .
وتتلمذ على أبي الحسين ، علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد القمي الذي يروي عنه النجاشي .
وفي عام 413 هجرية التحق الشيخ المفيد بالرفيق الأعلى ، وانتقلت زعامة الطائفة إلى السيد الشريف المرتضى ، فانضوى الطوسي تحت لوائه ، واهتم السيد به غاية الاهتمام ، وبالغ في إجلاله وتقديره والترحيب به ، وكان يدر عليه من المعاش في كل شهر اثني عشر دينارا ، فلم يكد ليغيب يوما واحدا عن درس أستاذه الأعظم ، همه الاستماع لآرائه وأفكاره ، والتدقيق في معانيها ونقضها وإبرامها .

7


واستمرت الحال سنون متمادية حتى اختار الله للسيد المرتضى اللقاء به ،
لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هجرية .
فاستقل الشيخ الطوسي بالظهور ، وانثنت له وسادة المرجعية العليا
للطائفة ، وتفرد بالزعامة الكبرى ، وأصبح وحيد العصر بلا منازع ، فقصد إليه
القاصدون يضربون آباط الإبل بعد أن سار ذكره في الآفاق سير المثل ،
وازدلفت إليه العلماء تستضئ بنوره المتألق وترتشف من معينه المتدفق ، يشد
إليه الرحال من كل حدب وصوب ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف
مسالكهم ومذاهبهم ، ويستزيدوا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم ، حتى
بلغ عدد تلاميذه الذين اجتهدوا على يديه ، وتلقوا منه رموز العلم وكنوز المعرفة ،
أكثر من ثلاثمائة مجتهد من الخاصة ، فضلا عن العامة الذين لا يمكن حصرهم و
عدهم ، لما رأوا فيه من شخصية علمية وقادة ونبوغا موصوفا ، وعبقرية ظاهرة في
العلم والعمل ، حتى أن خليفة الوقت القائم بأمر الله ( عبد الله بن القادر بالله
أحمد ) أسند إليه كرسي الكلام والإفادة ، ولم يكن هذا الكرسي ليمنح
إلا للأوحدي من الناس في ذلك العصر ، والمتفوق على الكل علما وعملا
وكمالا .
فلم يفتأ شيخ الطائفة على هذا المنوال اثنتي عشرة سنة مقصودا لحل
المشكلات ، وأداء المهمات ، وقضاء الحاجات ، حتى حدثت القلاقل والفتن
والاضطرابات . وجد الشيخ الطوسي في إخمادها وإطفاء لهيبها ، ولكن الحظ لم
يحالفه ، فاضطرمت نيرانها أكثر فأكثر .
تلك الأحداث المؤلمة التي شنها ( طغرل بك ) أول ملوك السلجوقيين على
الشيعة العزل من السلاح ، عند دخوله بغداد عام 447 هجرية ، فأمر بإحراق
مكتبة شيخ الطائفة العامرة بأمهات الكتب الخطية الثمينة ، والتي لا تقدر
بثمن ، تلك المكتبة التي بذل أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي


واستمرت الحال سنون متمادية حتى اختار الله للسيد المرتضى اللقاء به ، لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هجرية .
فاستقل الشيخ الطوسي بالظهور ، وانثنت له وسادة المرجعية العليا للطائفة ، وتفرد بالزعامة الكبرى ، وأصبح وحيد العصر بلا منازع ، فقصد إليه القاصدون يضربون آباط الإبل بعد أن سار ذكره في الآفاق سير المثل ، وازدلفت إليه العلماء تستضئ بنوره المتألق وترتشف من معينه المتدفق ، يشد إليه الرحال من كل حدب وصوب ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم ، ويستزيدوا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم ، حتى بلغ عدد تلاميذه الذين اجتهدوا على يديه ، وتلقوا منه رموز العلم وكنوز المعرفة ، أكثر من ثلاثمائة مجتهد من الخاصة ، فضلا عن العامة الذين لا يمكن حصرهم و عدهم ، لما رأوا فيه من شخصية علمية وقادة ونبوغا موصوفا ، وعبقرية ظاهرة في العلم والعمل ، حتى أن خليفة الوقت القائم بأمر الله ( عبد الله بن القادر بالله أحمد ) أسند إليه كرسي الكلام والإفادة ، ولم يكن هذا الكرسي ليمنح إلا للأوحدي من الناس في ذلك العصر ، والمتفوق على الكل علما وعملا وكمالا .
فلم يفتأ شيخ الطائفة على هذا المنوال اثنتي عشرة سنة مقصودا لحل المشكلات ، وأداء المهمات ، وقضاء الحاجات ، حتى حدثت القلاقل والفتن والاضطرابات . وجد الشيخ الطوسي في إخمادها وإطفاء لهيبها ، ولكن الحظ لم يحالفه ، فاضطرمت نيرانها أكثر فأكثر .
تلك الأحداث المؤلمة التي شنها ( طغرل بك ) أول ملوك السلجوقيين على الشيعة العزل من السلاح ، عند دخوله بغداد عام 447 هجرية ، فأمر بإحراق مكتبة شيخ الطائفة العامرة بأمهات الكتب الخطية الثمينة ، والتي لا تقدر بثمن ، تلك المكتبة التي بذل أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي

8


جهده العميم في إنشائها والاهتمام بها ، في محلة بين السورين في الكرخ عام
381 هجرية على غرار بيت الحكمة التي بناها هارون الرشيد .
يقول ياقوت الحموي في معجم بلدانه : " إن هذا الوزير قد جمع فيها أنفس
الكتب والآثار القيمة . . . ونافت كتبها على عشرة آلاف مجلد ، وهي بحق من
أعظم المكتبات العالمية ، وكان فيها مائة مصحف بخط ابن مقلة " .
وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 449 هجرية " . . . وفي صفر هذه السنة
كبست دار أبي جعفر الطوسي ، متكلم الشيعة بالكرخ ، وأخذ ما وجد من
دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام ، وأخرج إلى الكرخ ، وأضيف إليه
ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا
قصدوا زيارة الكوفة فأحرق . . . " .
ولكن المؤسف حقا أن نرى المعايير متزلزلة ، والقيم متأطرة بأطر بالية . . .
فالخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هجرية مع كونه معاصرا للشيخ الطوسي
المتوفى عام 460 هجرية . . . وبما إنه يكتب تأريخا عن بغداد وعن سير الأحداث
التاريخية الهامة التي حدثت بها . يتجاهل ذكر الحوادث التي ألمت بالشيعة
وشيخ طائفتها الشيخ الطوسي - ولو استطرادا عابرا - لا لشئ إلا لأمر كان يبطنه ؟ ! .
والعجب كل العجب من بعض الكتاب الذين جاءوا بعده وسودوا
صفحات كتبهم بعبارات وتفاسير ومحاكمات تندى له جبين الإنسانية ، فما
السر إذن في التحامل على مثل هذا المخلص في وظيفته ، الذاب عن عقيدته ،
المدافع عن حقه ومذهبه .
ولكن " الحق جديد وإن طالت به الأيام ، والباطل مخذول وإن نصره
أقوام " كما قاله صنو سيد الأنام ، إمام الخاص والعام ، أمير المؤمنين عليه الصلاة
والسلام .
* * *


جهده العميم في إنشائها والاهتمام بها ، في محلة بين السورين في الكرخ عام 381 هجرية على غرار بيت الحكمة التي بناها هارون الرشيد .
يقول ياقوت الحموي في معجم بلدانه : " إن هذا الوزير قد جمع فيها أنفس الكتب والآثار القيمة . . . ونافت كتبها على عشرة آلاف مجلد ، وهي بحق من أعظم المكتبات العالمية ، وكان فيها مائة مصحف بخط ابن مقلة " .
وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 449 هجرية " . . . وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي ، متكلم الشيعة بالكرخ ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام ، وأخرج إلى الكرخ ، وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق . . . " .
ولكن المؤسف حقا أن نرى المعايير متزلزلة ، والقيم متأطرة بأطر بالية . . .
فالخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هجرية مع كونه معاصرا للشيخ الطوسي المتوفى عام 460 هجرية . . . وبما إنه يكتب تأريخا عن بغداد وعن سير الأحداث التاريخية الهامة التي حدثت بها . يتجاهل ذكر الحوادث التي ألمت بالشيعة وشيخ طائفتها الشيخ الطوسي - ولو استطرادا عابرا - لا لشئ إلا لأمر كان يبطنه ؟ ! .
والعجب كل العجب من بعض الكتاب الذين جاءوا بعده وسودوا صفحات كتبهم بعبارات وتفاسير ومحاكمات تندى له جبين الإنسانية ، فما السر إذن في التحامل على مثل هذا المخلص في وظيفته ، الذاب عن عقيدته ، المدافع عن حقه ومذهبه .
ولكن " الحق جديد وإن طالت به الأيام ، والباطل مخذول وإن نصره أقوام " كما قاله صنو سيد الأنام ، إمام الخاص والعام ، أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام .
* * *

9


هجرته :
وفي خضم الأحداث المؤلمة آثر الشيخ الطوسي الهجرة إلى النجف
الأشرف حيث مرقد سيد الأبطال أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ليبقى بعيدا عن
المعمعات الطائفية ، وليتفرغ للتأليف والتصنيف ، يسامر القماطر والمحابر ،
ويكد في حصر آراء الأكابر وتقييد شواردهم . وأمه الفضلاء للاغتراف من
معينه الذي لا ينضب ، والتطلع على درايته الصائبة ، وقريحته الثاقبة ، وهمته
العالية ، فوضع بذلك اللبنة الأولى لأكبر جامعة علمية إسلامية في النجف
الأشرف ، وشيد أركانها ، فأصبحت ربوع وادي الغري تشع بمظاهر الجلال
والكمال ، صانها الله من طوارق الحدثان .
* * *
مكانته العلمية :
سرى ذكره يطوي المفاوز والحزوم عبر حقب الزمن . فلا تجد صقعا إلا وفيه
عبقة فواحة من فضله ، وألق من نبله . وإن اليراع لعاجز عن وصفه ، والإطراء
عليه ، ومهما أراد الإنسان الغور والغوص في عظمة هذه الشخصية الفذة ، كلما
ازداد تعجبا من مواطن عبقريته ، ونبوغه الفكري الخلاق ، راعى تلعات العلم
والمعرفة وجمع أشتات الفنون ، وكفاه مدحا أن يلقب ( بشيخ الطائفة ) .
يقول البحاثة الكبير والمتتبع الخبير الشيخ آقا بزرك الطهراني ( قدس سره )
في مقدمته على التبيان في تفسير القرآن :
" مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة ، وأجيال متعاقبة ، ولم يكن من
الهين على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى ، وكانوا يعدون
أحاديثه أصلا مسلما ويكتفون بها ، ويعدون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى


هجرته :
وفي خضم الأحداث المؤلمة آثر الشيخ الطوسي الهجرة إلى النجف الأشرف حيث مرقد سيد الأبطال أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ليبقى بعيدا عن المعمعات الطائفية ، وليتفرغ للتأليف والتصنيف ، يسامر القماطر والمحابر ، ويكد في حصر آراء الأكابر وتقييد شواردهم . وأمه الفضلاء للاغتراف من معينه الذي لا ينضب ، والتطلع على درايته الصائبة ، وقريحته الثاقبة ، وهمته العالية ، فوضع بذلك اللبنة الأولى لأكبر جامعة علمية إسلامية في النجف الأشرف ، وشيد أركانها ، فأصبحت ربوع وادي الغري تشع بمظاهر الجلال والكمال ، صانها الله من طوارق الحدثان .
* * * مكانته العلمية :
سرى ذكره يطوي المفاوز والحزوم عبر حقب الزمن . فلا تجد صقعا إلا وفيه عبقة فواحة من فضله ، وألق من نبله . وإن اليراع لعاجز عن وصفه ، والإطراء عليه ، ومهما أراد الإنسان الغور والغوص في عظمة هذه الشخصية الفذة ، كلما ازداد تعجبا من مواطن عبقريته ، ونبوغه الفكري الخلاق ، راعى تلعات العلم والمعرفة وجمع أشتات الفنون ، وكفاه مدحا أن يلقب ( بشيخ الطائفة ) .
يقول البحاثة الكبير والمتتبع الخبير الشيخ آقا بزرك الطهراني ( قدس سره ) في مقدمته على التبيان في تفسير القرآن :
" مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة ، وأجيال متعاقبة ، ولم يكن من الهين على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى ، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما ويكتفون بها ، ويعدون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى

10


مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له ، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر
الشيخ ابن إدريس ، فكان أعلى الله مقامه الشريف يسميهم بالمقلدة ، وهو أول
من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه ، وفتح باب الرد على نظرياته ، ومع ذلك
فقد بقوا على تلك الحال حتى أن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن
عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة " .
وقال العلامة في خلاصته : " شيخ الإمامية ووجههم ورئيس الطائفة
جليل القدر عظيم المنزلة ، ثقة عين صدوق ، عارف بالأخبار والرجال والفقه
والأصول والكلام والأدب ، وجميع الفضائل تنسب إليه ، صنف في كل فنون
الإسلام وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ، الجامع لكمالات النفس في
العلم والعمل " .
ونعته السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية بقوله : " شيخ الطائفة المحقة ،
ورافع أعلام الشريعة الحقة ، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين عليهم السلام ،
وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ، محقق الأصول
والفروع ، ومهذب فنون المعقول والمسموع ، شيخ الطائفة على الإطلاق ،
ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق ، صنف في جميع علوم الإسلام ، وكان القدوة
في ذلك والإمام . . . " .
تهافت لا يغتفر :
بعد أن أقر بفضله الخصوم ، وسلموا له في كل العلوم فرأوه مكينا في
المعارف الإلهية ، ضليعا في الفنون الإسلامية ، فاشتبه الأمر على السبكي
وغيره فوقعوا في تهافت فظيع ، وغلط فاحش من نسبة الإمام الطوسي إلى
الشافعية .
يقول تاج الدين تقي الدين السبكي في الجزء الثالث من طبقات الشافعية


مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له ، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس ، فكان أعلى الله مقامه الشريف يسميهم بالمقلدة ، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه ، وفتح باب الرد على نظرياته ، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى أن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة " .
وقال العلامة في خلاصته : " شيخ الإمامية ووجههم ورئيس الطائفة جليل القدر عظيم المنزلة ، ثقة عين صدوق ، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب ، وجميع الفضائل تنسب إليه ، صنف في كل فنون الإسلام وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل " .
ونعته السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية بقوله : " شيخ الطائفة المحقة ، ورافع أعلام الشريعة الحقة ، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين عليهم السلام ، وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ، محقق الأصول والفروع ، ومهذب فنون المعقول والمسموع ، شيخ الطائفة على الإطلاق ، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق ، صنف في جميع علوم الإسلام ، وكان القدوة في ذلك والإمام . . . " .
تهافت لا يغتفر :
بعد أن أقر بفضله الخصوم ، وسلموا له في كل العلوم فرأوه مكينا في المعارف الإلهية ، ضليعا في الفنون الإسلامية ، فاشتبه الأمر على السبكي وغيره فوقعوا في تهافت فظيع ، وغلط فاحش من نسبة الإمام الطوسي إلى الشافعية .
يقول تاج الدين تقي الدين السبكي في الجزء الثالث من طبقات الشافعية

11

لا يتم تسجيل الدخول!