إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 132)


بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه
طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل
- في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن
يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا
لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع
التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله
بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي
وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب
بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير
بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ،
ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم
فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به
ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
- أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ،
وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن
همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه
عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة
مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر
به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله


بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل - في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ، ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ، وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله

272


لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا ، فأمر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما
تسمع ، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة ،
وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط ، وأن ما نهى عليه السلام
عنه فواجب اجتنابه . ثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال : ثنا
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزبير
المكي ، أن أبا الطفيل عامر بن وائلة ، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره ، وقال : خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستأتون غدا
إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا
يمس من مائها شيئا حتى آتي قال : فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، العين
مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال : فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل مسستما من مائها شيئا . قالا : نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله
أن يقول . ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته صلى الله عليه وسلم .
قال علي : فهذان استحقا السب من النبي صلى الله عليه وسلم ، لخلافهما نهيه
في مس الماء ، ولم يكن هناك وعيد متقدم ، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا
ما خصه نص ، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه إلى
مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر -
عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي
عليه ، فقام عمر فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أخبرني الله تعالى فقال : * ( استغفر لهم
أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على
السبعين قال : إنه منا فق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل
: * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره
قال علي : ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره ، فحمل


لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا ، فأمر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمع ، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة ، وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط ، وأن ما نهى عليه السلام عنه فواجب اجتنابه . ثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزبير المكي ، أن أبا الطفيل عامر بن وائلة ، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره ، وقال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال : فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، العين مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال : فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا . قالا : نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول . ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته صلى الله عليه وسلم .
قال علي : فهذان استحقا السب من النبي صلى الله عليه وسلم ، لخلافهما نهيه في مس الماء ، ولم يكن هناك وعيد متقدم ، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص ، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه إلى مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أخبرني الله تعالى فقال : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين قال : إنه منا فق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره قال علي : ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره ، فحمل

273


رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظ الوارد بأو على التخيير ، فلما جاء النهي
المجرد حمله على الوجوب ، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير
والندب ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى .
فإن قال قائل : فما كان مراد الله بالتخيير ، الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على
التخيير ، وبذكره تعالى السبعين مرة ، أتقولون : إنه أراد تعالى ما قال عمر بن
الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟ .
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق ، لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ،
ولا نقول إن عمر ، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه
عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول عندنا كفر مجرد ، وبرهان ذلك أن الله
تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي ، لما أقره عليها ، ولا نزل الوحي
عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر
كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجر عمر
في ذلك أجرا واحدا ، لكنا نقول : إنه عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك على
الحقيقة ، فكان مباحا له صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك .
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما
زاد على السبعين ، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين ،
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر
لهم ، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة ، وهذا هو نفس قولنا بعينه ، فلما
أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل ، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه
حينئذ نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت ، أن
ما زاد على السبعين غير مقبول ، فدعا راج لم ييأس من المغفرة ، ولا أيقن
بها ، وهذا بين في لفظ الحديث ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد سألت بريرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لها : لو راجعتيه يعني النبي صلى الله عليه وسلم
زوجها مغيثا - فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال : لا ، إنما أشفع ففرق صلى الله عليه وسلم
كما ترى بين أمره وشفاعته ، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع
فيه عليه السلام ، وأن أمره بخلاف ذلك : وليس فيه إلا الايجاب فقط .


رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظ الوارد بأو على التخيير ، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب ، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير والندب ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى .
فإن قال قائل : فما كان مراد الله بالتخيير ، الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على التخيير ، وبذكره تعالى السبعين مرة ، أتقولون : إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟ .
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق ، لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ، ولا نقول إن عمر ، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول عندنا كفر مجرد ، وبرهان ذلك أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي ، لما أقره عليها ، ولا نزل الوحي عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجر عمر في ذلك أجرا واحدا ، لكنا نقول : إنه عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك على الحقيقة ، فكان مباحا له صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك .
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين ، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر لهم ، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة ، وهذا هو نفس قولنا بعينه ، فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل ، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه حينئذ نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت ، أن ما زاد على السبعين غير مقبول ، فدعا راج لم ييأس من المغفرة ، ولا أيقن بها ، وهذا بين في لفظ الحديث ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد سألت بريرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لها : لو راجعتيه يعني النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مغيثا - فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال : لا ، إنما أشفع ففرق صلى الله عليه وسلم كما ترى بين أمره وشفاعته ، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه عليه السلام ، وأن أمره بخلاف ذلك : وليس فيه إلا الايجاب فقط .

274


وقال الله عز وجل : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل
فما بلغت رسالته )
قال علي : في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك ، في أن من لم يفعل ما أمر
به فقد عصى ، لأنه تعالى بين أن نبيه صلى الله عليه وسلم إن لم يبلغ كما أمر ، فلم يفعل ما أمر
به ، ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم ، إلا أن خلاف الامر معصية لا موافقة ،
وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى
يأمرهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي .
وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم
تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون فصح أنه لم يرد تعالى
منا الاقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه . وقال تعالى وما كان لمؤمن
ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمران أن تكون لهم الخيرة من أمر هم ومن
يعص الله ورسوله فقد ضلالا مبينا .
قال على وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال ، لان الندب تخيير ،
وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ص ) فلا اختيار فيه لاحد ، وإذا بطل الاختيار
فقد لزم الوجوب ضرورة ، لان الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا
فيهما الخيرة ، إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل ، فأبطل الله عز وجل الاختيار
في كل أمر يرد من عند نبيه صلى الله عليه وسلم ، وثبت بذلك الوجوب والفرض
في جميع أوامرهما ، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك ، فقال تعالى
: * ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) * .
قال علي : وليس يقابل الامر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه ، لا رابع لها نعلم
ذلك بضرورة الطبيعة ، وببديهة العقل : إما الوجوب وهو قولنا ، وإما الندب
والتخيير في فعل أو ترك ، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى : * ( أن
تكون لهم الخيرة من أمرهم ) * وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل
ذلك فقد ضل ضلالا مبينا ، فارتفع الاشكال جملة ، وبطل كل شغب يأتون به .
وقال تعالى : * ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) * فنص تعالى
على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة ، وهذا هو الحكم بالظاهر ، وحظر الانتقال إلى


وقال الله عز وجل : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) قال علي : في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك ، في أن من لم يفعل ما أمر به فقد عصى ، لأنه تعالى بين أن نبيه صلى الله عليه وسلم إن لم يبلغ كما أمر ، فلم يفعل ما أمر به ، ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم ، إلا أن خلاف الامر معصية لا موافقة ، وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى يأمرهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي .
وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون فصح أنه لم يرد تعالى منا الاقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه . وقال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمران أن تكون لهم الخيرة من أمر هم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلالا مبينا .
قال على وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال ، لان الندب تخيير ، وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ص ) فلا اختيار فيه لاحد ، وإذا بطل الاختيار فقد لزم الوجوب ضرورة ، لان الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة ، إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل ، فأبطل الله عز وجل الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه صلى الله عليه وسلم ، وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما ، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك ، فقال تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) * .
قال علي : وليس يقابل الامر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه ، لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة ، وببديهة العقل : إما الوجوب وهو قولنا ، وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك ، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى : * ( أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ) * وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا ، فارتفع الاشكال جملة ، وبطل كل شغب يأتون به .
وقال تعالى : * ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) * فنص تعالى على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة ، وهذا هو الحكم بالظاهر ، وحظر الانتقال إلى

275


التأويل وقال تعالى : * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) * وقال تعالى : * ( أنزلنا
إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص
كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قالوا : فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب ، فقد
نقضتم هذا الحكم . لهم وبالله تعالى التوفيق : ما فعلنا ما تقولون من النقض ،
لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى ، حملناه أيضا على وجوبه ، فإذا
نص ربنا عز وجل في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا تركنا ، فقد أوجب
علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة ، فلم نخرج عن أصلنا ، ولم يكن لنا خيرة
في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط ، كما أنه تعالى أو نبيه صلى الله عليه وسلم
إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه ، فلا خيرة لنا في صرفه عن
أمره الذي اقتصر عليه ، فكل أمر مفرد فواجب علينا حمله على انفراده ، وكل
أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير ، فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ
على ظواهرها ، ولا خيرة لنا في شئ من ذلك ، والاجماع إذا صح على حمل آية
أو خبر على التخيير ، فقد أيقنا أن أصل الاجماع توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى .
قال علي : أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة
الصدقات يقول : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم
وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فرضية من الله ) * فيقول : ليس
ذلك فريضة ، وجائز للامام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر ، أو إلى بعض
هذه الأصناف ، ثم يأتي إلى قول ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
صدقة الفطر على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير ، صاعا من تمر
أو صاعا من شعير ، فيقول : ليس صدقة الفطر فريضة ، ولا الشعير ولا التمر فيها
أيضا فرضا ، ولا مستحبا ، بل البر الذي لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم أفضل .
ثم يأتي إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ههنا معنا ، وقد وقف قبل ذلك
بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال : لا تخيير في ذلك ، والفرض الوقوف ليلا
ولا بد ، وإلا بطل الحج .


التأويل وقال تعالى : * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) * وقال تعالى : * ( أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قالوا : فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب ، فقد نقضتم هذا الحكم . لهم وبالله تعالى التوفيق : ما فعلنا ما تقولون من النقض ، لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى ، حملناه أيضا على وجوبه ، فإذا نص ربنا عز وجل في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا تركنا ، فقد أوجب علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة ، فلم نخرج عن أصلنا ، ولم يكن لنا خيرة في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط ، كما أنه تعالى أو نبيه صلى الله عليه وسلم إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه ، فلا خيرة لنا في صرفه عن أمره الذي اقتصر عليه ، فكل أمر مفرد فواجب علينا حمله على انفراده ، وكل أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير ، فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ على ظواهرها ، ولا خيرة لنا في شئ من ذلك ، والاجماع إذا صح على حمل آية أو خبر على التخيير ، فقد أيقنا أن أصل الاجماع توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى .
قال علي : أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة الصدقات يقول : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فرضية من الله ) * فيقول : ليس ذلك فريضة ، وجائز للامام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر ، أو إلى بعض هذه الأصناف ، ثم يأتي إلى قول ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير ، صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، فيقول : ليس صدقة الفطر فريضة ، ولا الشعير ولا التمر فيها أيضا فرضا ، ولا مستحبا ، بل البر الذي لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم أفضل .
ثم يأتي إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ههنا معنا ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال : لا تخيير في ذلك ، والفرض الوقوف ليلا ولا بد ، وإلا بطل الحج .

276


ويقول في قول الله تعالى : * ( انفضوا إليها وتركوك قائما ) * ، إنه يفهم منه أن خطبة
الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها .
وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام ، موجب أن يكون الصوم
في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به . أيكون في عكس الحقائق
ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ، ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا ؟ .
وقال تعالى : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فان توليتم فاعلموا
انما على رسولنا البلاغ المبين ) * .
قال علي : فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى : * ( واحذروا ) * مقرونا بمخالفة الطاعة ،
فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ، ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك
ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه .
وقال تعالى : * ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم
في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) * فصح بالنص كما ترى
أن كل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معروف ، وكل ما نهى عنه فهو منكر
عن المعروف ، فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منافق ،
وكل من قال في قوله تعالى افعل . فقال هو لا تفعل إن شئت ، فقد أباح تركه
والنهي عنه نصا .
وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : * ( ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) * .
قال علي : ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن ،
وبنص تسمية الله عز وجل له ، فقد نصصنا كلام الله تعالى ، وكلام نبيه
صلى الله عليه وسلم في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا ، وبطل بذلك قول من قال
على الندب أو الوقف .
قال علي : وقد فرق قوم بين أوامر الله عز وجل ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ،
وهذا بين الفساد ، فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله : * ( من يطع الرسول فقد أطاع
الله ) * إن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم
الجمعة فرضا ، فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله عز وجل : * ( وإذا رأوا


ويقول في قول الله تعالى : * ( انفضوا إليها وتركوك قائما ) * ، إنه يفهم منه أن خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها .
وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام ، موجب أن يكون الصوم في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به . أيكون في عكس الحقائق ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ، ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا ؟ .
وقال تعالى : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فان توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين ) * .
قال علي : فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى : * ( واحذروا ) * مقرونا بمخالفة الطاعة ، فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ، ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه .
وقال تعالى : * ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) * فصح بالنص كما ترى أن كل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معروف ، وكل ما نهى عنه فهو منكر عن المعروف ، فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منافق ، وكل من قال في قوله تعالى افعل . فقال هو لا تفعل إن شئت ، فقد أباح تركه والنهي عنه نصا .
وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) * .
قال علي : ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن ، وبنص تسمية الله عز وجل له ، فقد نصصنا كلام الله تعالى ، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا ، وبطل بذلك قول من قال على الندب أو الوقف .
قال علي : وقد فرق قوم بين أوامر الله عز وجل ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا بين الفساد ، فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * إن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم الجمعة فرضا ، فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله عز وجل : * ( وإذا رأوا

277


تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) * .
قال علي : وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة .
ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض ، إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا :
ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام ، وعلى هذا فكل شريعة ففرض
ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها ، فلا حج لمن لم يصل . ولا صلاة لمن
أفطر في رمضان ، ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى ، فينفسخ نكاحه مع امرأته ،
لان الله تعالى عطف النكاح على أمر اليتامى فقال تعالى : * ( وإن خفتم ألا تقسطوا
في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * لأنها كلها معطوف بعضها
على بعض .
ثم قالوا : في قوله تعالى : * ( وأتموا الحج ولعمرة لله ليست العمرة فرضا ، وقد
عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الاتمام ، ولم يعطف الاعتكاف على
الصيام ، ولا الصيام على الاعتكاف ، وإنما عطف النهي عن المباشر في حال
الاعتكاف على أحكام الصيام ، عطف جملة على جملة ، لا عطف اشتراك .
ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس : * ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله
خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله
وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) * الآية فقالوا : ليس هذا فرضا ،
وللامام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين ، هذا وهم يسمعون الله
تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى : ( ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على
عبدنا ) وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها : * ( فريضة من الله ) * فقالوا
ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا
ولم يأت به أمر ، ولا ندب ، وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى فريضة ، وقال فيه :
( ان كنتم آمنتم بالله )
وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى : * ( إني
لا أملك إلا نفسي وأخي ) * وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه
الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها ، وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم
وقد قال تعالى : ( وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس


تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) * .
قال علي : وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة .
ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض ، إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا :
ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام ، وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها ، فلا حج لمن لم يصل . ولا صلاة لمن أفطر في رمضان ، ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى ، فينفسخ نكاحه مع امرأته ، لان الله تعالى عطف النكاح على أمر اليتامى فقال تعالى : * ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * لأنها كلها معطوف بعضها على بعض .
ثم قالوا : في قوله تعالى : * ( وأتموا الحج ولعمرة لله ليست العمرة فرضا ، وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الاتمام ، ولم يعطف الاعتكاف على الصيام ، ولا الصيام على الاعتكاف ، وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام ، عطف جملة على جملة ، لا عطف اشتراك .
ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس : * ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) * الآية فقالوا : ليس هذا فرضا ، وللامام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين ، هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى : ( ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ) وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها : * ( فريضة من الله ) * فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر ، ولا ندب ، وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى فريضة ، وقال فيه :
( ان كنتم آمنتم بالله ) وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى : * ( إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) * وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها ، وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى : ( وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس

278


إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له وعليه الوارث مثل ذلك )
ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة ، وبين مضارة الوارث
بموروثه ، فلم يوجبوا فيها النفقة ، وقد سوى الله عز وجل بينهما تسوية واحدة ،
ولا ضرر في التمييز والعقل ، أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا ،
وهو ذو مال يغنيه ، ويفضل عنه ، وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله .
وقال المالكيون : أمر تعالى بالمكاتبة ندب ، وأمره بإتيانهم من مال الله الذي
آتاهم ندب ، وأمره بالمتعة ندب ، ثم قالوا قوله تعالى : * ( ) * فرض ، فلو
تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون ، لكان أولى بهم من معارضة
أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم بهذيان لا يطردونه ، بل يتناقضون فيه في كل
حين ، فمرة يقولون في بعض الأوامر ليس فرضا ، فإذا قيل لهم قد أمر الله
تعالى بها ، قالوا الأوامر موقوفة ، ولا يحمل على الفرض إلا بدليل ، ومرة
يوجبون الأوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط ، وبالله
تعالى التوفيق .
قال علي : وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي ، فإنهم يقولون :
إن لم نجد دليلا على أن الامر على الندب أمضينا الأوامر على الوجوب .
قال علي : وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف ، لأنهم راجعون إلى إمضاء
الأوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة ، إذا عدموا دليلا على الندب .
قال علي : وهذا قولنا نفسه ، ولم نخالفهم في أن الامر إذا جاء نص أو إجماع
على أنه ندب ، فواجب أن يصار إلى أنه ندب ، وإنما خالفناهم في الوقف فقط .
قال علي : ونسألهم ألهذا الوقف غاية ؟ فإن حدوا حدا كلفوا عليه البرهان
ولا سبيل إليه ، فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر ، فبطل العمل بشئ من
الأوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة .
وقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف ، فقال : لو كان الامر لا يعلم
بلفظه أنه على الوجوب ، لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه ، إما بأمر آخر ،
أو بشئ يستخرج من الامر ، وكلا الامرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر ،


إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له وعليه الوارث مثل ذلك ) ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة ، وبين مضارة الوارث بموروثه ، فلم يوجبوا فيها النفقة ، وقد سوى الله عز وجل بينهما تسوية واحدة ، ولا ضرر في التمييز والعقل ، أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا ، وهو ذو مال يغنيه ، ويفضل عنه ، وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله .
وقال المالكيون : أمر تعالى بالمكاتبة ندب ، وأمره بإتيانهم من مال الله الذي آتاهم ندب ، وأمره بالمتعة ندب ، ثم قالوا قوله تعالى : * ( ) * فرض ، فلو تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون ، لكان أولى بهم من معارضة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم بهذيان لا يطردونه ، بل يتناقضون فيه في كل حين ، فمرة يقولون في بعض الأوامر ليس فرضا ، فإذا قيل لهم قد أمر الله تعالى بها ، قالوا الأوامر موقوفة ، ولا يحمل على الفرض إلا بدليل ، ومرة يوجبون الأوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي ، فإنهم يقولون :
إن لم نجد دليلا على أن الامر على الندب أمضينا الأوامر على الوجوب .
قال علي : وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف ، لأنهم راجعون إلى إمضاء الأوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة ، إذا عدموا دليلا على الندب .
قال علي : وهذا قولنا نفسه ، ولم نخالفهم في أن الامر إذا جاء نص أو إجماع على أنه ندب ، فواجب أن يصار إلى أنه ندب ، وإنما خالفناهم في الوقف فقط .
قال علي : ونسألهم ألهذا الوقف غاية ؟ فإن حدوا حدا كلفوا عليه البرهان ولا سبيل إليه ، فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر ، فبطل العمل بشئ من الأوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة .
وقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف ، فقال : لو كان الامر لا يعلم بلفظه أنه على الوجوب ، لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه ، إما بأمر آخر ، أو بشئ يستخرج من الامر ، وكلا الامرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر ،

279


فالكلام في الامر الثاني كالكلام في الامر الأول ، وهذا لا إلى غاية ، فعلى هذا
لا يثبت وجوب أمر أبدا .
وقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف : المعصية في اللغة هي مخالفة الامر ،
والطاعة هو تنفيذ الامر ، وقال الله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد
حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) * وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع
بإذن الله ) * فثبت الوجوب في الأوامر ضرورة ، بحكم الله تعالى فالنار على من تركها .
قال علي : ويقال لمن قال بالوقف : ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله
تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم خالية من قرينة بالجملة ، ولا دليل هناك يدل على أنها
فرض ، ولا على أنها ندب ، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا ،
وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا
هو نفسه ترك الديانة ، أو يحمل ذلك على الندب ، فيجمع وجهين ، أحدهما : القول
بلا دليل ، والثاني ، استجازة مخالفة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بلا برهان ،
أو يحمل ذلك على الفرض ، وهذا قولنا ، وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالأوامر
فرضا بنفس لفظها دون قرينة ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
يوم بني قريظة : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر قبلها
وقالوا : لم يرد هنا هنا ، وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي
صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين .
قال علي : هذا حجة لهم فيه أيضا ، ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق
في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب ، مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا .
فأما احتجاج من حمل الأوامر على غير الوجوب ، فلا حجة لهم فيه ، لأنه قد
كان تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشئ
على مثله إلى أن تصفر الشمس ، وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل
المنافقين ، فاقترن على الصحابة في ذلك اليوم أمران واردان ، واجب أن يغلب
أحدهما على الآخر ضرورة ، فأخذت إحدى الطائفتين بالامر المتقدم ، وأخذت


فالكلام في الامر الثاني كالكلام في الامر الأول ، وهذا لا إلى غاية ، فعلى هذا لا يثبت وجوب أمر أبدا .
وقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف : المعصية في اللغة هي مخالفة الامر ، والطاعة هو تنفيذ الامر ، وقال الله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) * وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله ) * فثبت الوجوب في الأوامر ضرورة ، بحكم الله تعالى فالنار على من تركها .
قال علي : ويقال لمن قال بالوقف : ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم خالية من قرينة بالجملة ، ولا دليل هناك يدل على أنها فرض ، ولا على أنها ندب ، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا ، وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو نفسه ترك الديانة ، أو يحمل ذلك على الندب ، فيجمع وجهين ، أحدهما : القول بلا دليل ، والثاني ، استجازة مخالفة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بلا برهان ، أو يحمل ذلك على الفرض ، وهذا قولنا ، وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالأوامر فرضا بنفس لفظها دون قرينة ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بني قريظة : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر قبلها وقالوا : لم يرد هنا هنا ، وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين .
قال علي : هذا حجة لهم فيه أيضا ، ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب ، مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا .
فأما احتجاج من حمل الأوامر على غير الوجوب ، فلا حجة لهم فيه ، لأنه قد كان تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشئ على مثله إلى أن تصفر الشمس ، وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين ، فاقترن على الصحابة في ذلك اليوم أمران واردان ، واجب أن يغلب أحدهما على الآخر ضرورة ، فأخذت إحدى الطائفتين بالامر المتقدم ، وأخذت

280


الطائفة الأخرى بالامر المتأخر ، إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الامر
الذي أخذت به على الفرض والوجوب ، وغلبته على الامر الثاني .
وقد ذكرنا هذا النوع من الأحاديث فيما خلا ، وبينا كيفية العمل في ذلك ،
ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها ، ولو بعد نصف الليل ،
على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف ،
وهي في الحقيقة متفقة من الاخذ بالزائد ، ومن استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني ،
وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا ، فأمره عليه السلام في ذلك اليوم بأن
لا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة ، أمر خاص في صلاة واحدة ، من يوم
واحد في الدهر فقط ، فكان ذلك مستثنى من عموم أمره يصلى كل عصر ،
من كل يوم في الأبد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ، وأما ما لم تغب
للمضطر حاشى يوم عرفة .
وأيضا فإن أمره عليه السلام بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في بني
قريظة ، شريعة زائدة ، وأمر وارد بخلاف الحكم السالف ، وبخلاف معهود
الأصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده ، فواجب طاعة ذلك الامر
الحادث ، والشرع الطارئ ، لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل
ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى ، وكان أمره بألا يصلى
العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج - وقد ذكر
بصلاة المغرب - فقال عليه السلام : الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع
المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة ، في ذلك المكان
خاصة ، عن وقتها المعهود إلى وقت آخر . ولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر
يوم بني قريظة ، وفي المغرب ليلة المزدلفة ، وهذا بين لمن تأمله .
قال أبو محمد : وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين
وقال : ترك النبي صلى الله عليه وسلم أن يعنف كل واحدة من الطائفتين ، دليل
على أن كل واحدة منهما مصيبة .
قيل له ، وبالله التوفيق : لا دليل فيه على ما ذكرت ، ولكنه دليل واضح
على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين ، والأخرى مجتهدة مأجورة


الطائفة الأخرى بالامر المتأخر ، إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الامر الذي أخذت به على الفرض والوجوب ، وغلبته على الامر الثاني .
وقد ذكرنا هذا النوع من الأحاديث فيما خلا ، وبينا كيفية العمل في ذلك ، ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها ، ولو بعد نصف الليل ، على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف ، وهي في الحقيقة متفقة من الاخذ بالزائد ، ومن استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني ، وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا ، فأمره عليه السلام في ذلك اليوم بأن لا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة ، أمر خاص في صلاة واحدة ، من يوم واحد في الدهر فقط ، فكان ذلك مستثنى من عموم أمره يصلى كل عصر ، من كل يوم في الأبد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ، وأما ما لم تغب للمضطر حاشى يوم عرفة .
وأيضا فإن أمره عليه السلام بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في بني قريظة ، شريعة زائدة ، وأمر وارد بخلاف الحكم السالف ، وبخلاف معهود الأصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده ، فواجب طاعة ذلك الامر الحادث ، والشرع الطارئ ، لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى ، وكان أمره بألا يصلى العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج - وقد ذكر بصلاة المغرب - فقال عليه السلام : الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة ، في ذلك المكان خاصة ، عن وقتها المعهود إلى وقت آخر . ولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر يوم بني قريظة ، وفي المغرب ليلة المزدلفة ، وهذا بين لمن تأمله .
قال أبو محمد : وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين وقال : ترك النبي صلى الله عليه وسلم أن يعنف كل واحدة من الطائفتين ، دليل على أن كل واحدة منهما مصيبة .
قيل له ، وبالله التوفيق : لا دليل فيه على ما ذكرت ، ولكنه دليل واضح على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين ، والأخرى مجتهدة مأجورة

281

لا يتم تسجيل الدخول!