إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 132)


والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا - فيما
خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق ، وأنها
موجودة على حسب ما هي عليه ، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا
أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها ، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول
أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد ، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن ، وهي
عنصر لكل معرفة ، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين
فينا ، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه ، فعلمنا أن الحجر صليب ، وأن الماء
سيال في طبعه ، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله ، وأن قول القائل : فلان
أحمق ، ذم ، وأن قوله : فلان عاقل مدح ، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام
التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر ، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن
يفعل المأمور ما يأمره به ، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها
التفاهم ، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء
الله تعالى ، وبالله نتأيد وإياه نستعين .
هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد ، فقد أبطلناه بالبرهان
الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو ، إلا أن ابن المنتاب المالكي
أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال : إن من الدليل
على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب :
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا
قال آنفا فال فلو كانت الأوامر على الوجوب ، والألفاظ على العموم ، لما
كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ
لكان سؤالهم فاسدا .
قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم ، لان الله تعالى حكى هذا
الاعتراض عن قوم منافقين كفار ، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم ، وإنما حكى الله
عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم ، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك


والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا - فيما خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق ، وأنها موجودة على حسب ما هي عليه ، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها ، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد ، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن ، وهي عنصر لكل معرفة ، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا ، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه ، فعلمنا أن الحجر صليب ، وأن الماء سيال في طبعه ، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله ، وأن قول القائل : فلان أحمق ، ذم ، وأن قوله : فلان عاقل مدح ، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر ، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن يفعل المأمور ما يأمره به ، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم ، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى ، وبالله نتأيد وإياه نستعين .
هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد ، فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو ، إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال : إن من الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب :
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا فال فلو كانت الأوامر على الوجوب ، والألفاظ على العموم ، لما كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا .
قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم ، لان الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار ، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم ، وإنما حكى الله عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم ، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك

265


الكتاب يتلى عليهم فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك
يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ، ووصية الله تعالى
التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في
إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام قوم كفار
منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل .
وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة ، إلا قول إسماعيل بن
إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ، ولنا عليه فيه رد هتكنا
عواره فيه ، وفضحناه بحول الله وقوته ، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان
ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صناديد قريش - من غنائم هوازن ، إثر يوم
حنين - من نصيبه من خمس الخمس ، كما قال الشافعي ، ما قالت الأنصار في ذلك
ولا قال ذو الخويصرة ما قال .
قال علي : فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة
من دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم : ويجعل إنكار كافر مشرك شر
خلق الله هجور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجة على المؤمنين القائلين : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره
إليه ، لا مما جعله الله عز وجل لأقوام مسلمين معروفين ، اللهم إنا نبرأ إليك
من هذا الكلام ، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقول المنافقين : ماذا قال آنفا .


الكتاب يتلى عليهم فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ، ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل .
وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة ، إلا قول إسماعيل بن إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ، ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه ، وفضحناه بحول الله وقوته ، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صناديد قريش - من غنائم هوازن ، إثر يوم حنين - من نصيبه من خمس الخمس ، كما قال الشافعي ، ما قالت الأنصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال .
قال علي : فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم : ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجة على المؤمنين القائلين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه ، لا مما جعله الله عز وجل لأقوام مسلمين معروفين ، اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الكلام ، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقول المنافقين : ماذا قال آنفا .

266


ونحن نقول قول إنصاف - إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا
من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم
ماذا قال آنفا وتبر أنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالدين قالوا
سمعنا وأطعنا فله ما اختار ، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى
بهم ، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قولهم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع
الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ونحن راجون أن يعطنا الله بمنه وطوله
ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم سمعنا وأطعنا إذ يقول تعالى إنما كان
قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقوله سمعنا وأطعنا
وأولئك هم المفلحون ) * ونعم فليعلم الجاهل - المعترض بأقوال المنافقين المشركين
على كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم - أن قول الذين قالوا
للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ، لا معنى لسؤالهم هذا ، ولا يعقل سؤالهم لأنه
سؤال مجنون فاسد الدين ملعون
وشغب بعهم بقول تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وإذا قضيت الصلاة
فانتشروا في الأرض قالوا : وهذا إباحة بلا شك ، فقلنا : يجب عليكم إذا
احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب ، حتى يقوم دليل على
الوجوب وهذا ليس قولهم ، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى
الإباحة ببرهان ، أما التصيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حل بالطواف بالبيت وانحدر
إلى منى ولم يصطد ، فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر ، وأما : * ( فإذا قضيت
الصلاة فانتشروا ) فان عبد الله بن ربيع قال : حدثنا عمر بن عبد الملك ، حدثنا
ابن الأعرابي ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا القعنبي ، ثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ،
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم
ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
قال أبو محمد : فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة ، فصح بذلك أن
الانتشار بعد الصلاة إباحة ، فمن جاءنا في شئ من الأوامر ببرهان ينقله عن
الفرض إلى الندب ، وعن التحريم إلى الكراهية ، صرنا إليه ، وأما بالدعوة
الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها ، فمعاذ الله من ذلك .


ونحن نقول قول إنصاف - إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم ماذا قال آنفا وتبر أنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالدين قالوا سمعنا وأطعنا فله ما اختار ، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم ، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قولهم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ونحن راجون أن يعطنا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم سمعنا وأطعنا إذ يقول تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقوله سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ) * ونعم فليعلم الجاهل - المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم - أن قول الذين قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ، لا معنى لسؤالهم هذا ، ولا يعقل سؤالهم لأنه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون وشغب بعهم بقول تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض قالوا : وهذا إباحة بلا شك ، فقلنا : يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب ، حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم ، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الإباحة ببرهان ، أما التصيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منى ولم يصطد ، فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر ، وأما : * ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ) فان عبد الله بن ربيع قال : حدثنا عمر بن عبد الملك ، حدثنا ابن الأعرابي ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا القعنبي ، ثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
قال أبو محمد : فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة ، فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة ، فمن جاءنا في شئ من الأوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب ، وعن التحريم إلى الكراهية ، صرنا إليه ، وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها ، فمعاذ الله من ذلك .

267


واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله
فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر
له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق
به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ،
أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب
وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما
لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من
صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك
أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى
الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل
التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا
وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو
خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك
الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم
عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب
عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى
أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ،
وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين
المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج


واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ، وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج

268


منها بدليل ، ونقول قبل ذلك : إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض ،
وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله ، والتمع نور الله تعالى بصر
قلبه ، وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة ، وطمعا في إطفاء
ما لا ينطفئ من ضياء الحق ، وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة ، ثم تناقضوا
فأوجبوا أحكاما كثيرة ، فرضا بنفس الامر مما قد خالفهم فيها غيرهم ، وفعلت
كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى .
قال أبو محمد : فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت
من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى : افعل ، ولا يفهم
منها أحد لا تفعل ، ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل ، أو مما يعبر به عن معنى : لا تفعل ،
ولا يفهم منها أحد افعل ، ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال
الكهان وقد قال تعالى : * ( قتل الخراصون ) * .
قال علي : ويقال لهم : بأي شئ تعرفون أن في الأوامر شيئا على الوجوب
مما تقرون فيه أنه واجب ، فأجابوا عن ذلك بجوابين ، أحدهما : إن قال بعضهم :
نعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد . وقال بعضهم : لسنا نجدد
دلائل الوجوب ، وهي أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الايجاب ، ولسنا
نقدر على العبارة عنها .
قال علي : أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم ، وإذا
كان شئ لا يقدر على بيانه ، فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز
أحد له لسان ، وليس له حياء ولا ورع ، أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل
قوله وبيانه قال : إني لا أقدر على بيانه ، ولكنه شئ معلوم إذا عرف .
قال علي : ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان ، ولكنا نقول لمن هذا : صف
لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب ، فإن عجزت عن ذلك بان كذبك
وادعاؤك الباطل : لان كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من
أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال والا فهو مدع للباطل .


منها بدليل ، ونقول قبل ذلك : إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض ، وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله ، والتمع نور الله تعالى بصر قلبه ، وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة ، وطمعا في إطفاء ما لا ينطفئ من ضياء الحق ، وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة ، ثم تناقضوا فأوجبوا أحكاما كثيرة ، فرضا بنفس الامر مما قد خالفهم فيها غيرهم ، وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى .
قال أبو محمد : فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى : افعل ، ولا يفهم منها أحد لا تفعل ، ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل ، أو مما يعبر به عن معنى : لا تفعل ، ولا يفهم منها أحد افعل ، ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى : * ( قتل الخراصون ) * .
قال علي : ويقال لهم : بأي شئ تعرفون أن في الأوامر شيئا على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب ، فأجابوا عن ذلك بجوابين ، أحدهما : إن قال بعضهم :
نعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد . وقال بعضهم : لسنا نجدد دلائل الوجوب ، وهي أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الايجاب ، ولسنا نقدر على العبارة عنها .
قال علي : أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم ، وإذا كان شئ لا يقدر على بيانه ، فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان ، وليس له حياء ولا ورع ، أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال : إني لا أقدر على بيانه ، ولكنه شئ معلوم إذا عرف .
قال علي : ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان ، ولكنا نقول لمن هذا : صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب ، فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل : لان كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال والا فهو مدع للباطل .

269


قال : أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن به
وعيد : اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه
صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فيحذر الذين مخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
عذاب أليم فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد ، بكل من خالف أمره عليه السلام .
قال علي : واعترض بعضهم في ذلك بأن قال : لما صح في أن أوامره عليه
السلام ، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم ، وهو أمر كان معناه الندب ، علمنا
أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط ، وأن
هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا ، وإن كان ذلك ، فقد بطل أن
يكون حجة في حمل الامر على الوجوب .
قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق
العذاب المنصوص في الآية على تركه ، بخروجه إلى معنى الندب ، إنما هو مستثنى
من جملة ما جاءت الآية به ، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب ، فلا يبطل ذلك
بقاء سائر الشريعة على الاستعمال ، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس
بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب ، على استحقاق العذاب على تركه ، إلا أن الوعيد
قد حصل مقرونا بالأوامر كلها ، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بأنه لا وعيد عليه ، لأنه غير واجب ولا يسقط من
كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط .
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ، ثنا أبو إسحاق البلخي ، عن الفربري ،
عن البخاري ، ثنا محمد بن سنان ، ثنا فليح ثنا هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل أمتي يدخلون الجنة إلا
من أبى . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ،
ومن عصاني فقد أبى .
قال علي : يسأل من قال : إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ،
ما معنى المعصية ، فلا بد له من أن يقول : هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به
الآمر ، فإذا لا بد من ذلك . فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،


قال : أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن به وعيد : اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فيحذر الذين مخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد ، بكل من خالف أمره عليه السلام .
قال علي : واعترض بعضهم في ذلك بأن قال : لما صح في أن أوامره عليه السلام ، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم ، وهو أمر كان معناه الندب ، علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط ، وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا ، وإن كان ذلك ، فقد بطل أن يكون حجة في حمل الامر على الوجوب .
قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه ، بخروجه إلى معنى الندب ، إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به ، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب ، فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال ، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب ، على استحقاق العذاب على تركه ، إلا أن الوعيد قد حصل مقرونا بالأوامر كلها ، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا وعيد عليه ، لأنه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط .
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ، ثنا أبو إسحاق البلخي ، عن الفربري ، عن البخاري ، ثنا محمد بن سنان ، ثنا فليح ثنا هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى .
قال علي : يسأل من قال : إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ، ما معنى المعصية ، فلا بد له من أن يقول : هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر ، فإذا لا بد من ذلك . فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،

270


فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا ، واستحق النار ، وأن
لا يدخل الجنة ، بنص كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ومن يعص الله
ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا
. قال علي : ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم افعل
- أمرا - كذا فيقول المأمور : لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ، ومباح لي أن أترك
ما أمرتماني به . أو يقول الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم لا تفعل - أمرا - كذا
فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله ، ومباح لي أن أفعل ما نهيتماني عنه .
قال علي : ما يعرف أحد من العصيان غير هذا . والحجة على هؤلاء القوم أبين
في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين ، لان المشركين لا يقرون
بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الكلام معهم في إثبات
ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يقولون لنا : لا نطيع ،
وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما . نعوذ بالله من الخذلان
ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه .
واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب ، عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن
عبد الاعلى عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر
وبطن ، وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد ، عن يحيى بن أبي أسيد أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن القرآن ذلول ذو وجوه ، فاتقوا ذله وكثرة
وجوهه ، وبه إلى ابن وهب ، أنبأ مسلمة بن علي ، عن هشام ، عن الحسن أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال - فذكر حديثا ، وذكر فيه القرآن وفيه : وما منه آية إلا ولها
ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع .
قال علي : هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا ، ولو صحت لما كان
لهم في شئ منها حجة بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر
وبطن ، لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ، ولا بقول قائل ، لكن ببيان
النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم ، فإن أوجدونا


فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا ، واستحق النار ، وأن لا يدخل الجنة ، بنص كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا . قال علي : ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم افعل - أمرا - كذا فيقول المأمور : لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ، ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به . أو يقول الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم لا تفعل - أمرا - كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله ، ومباح لي أن أفعل ما نهيتماني عنه .
قال علي : ما يعرف أحد من العصيان غير هذا . والحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين ، لان المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يقولون لنا : لا نطيع ، وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما . نعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه .
واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب ، عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن ، وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد ، عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن القرآن ذلول ذو وجوه ، فاتقوا ذله وكثرة وجوهه ، وبه إلى ابن وهب ، أنبأ مسلمة بن علي ، عن هشام ، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فذكر حديثا ، وذكر فيه القرآن وفيه : وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع .
قال علي : هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا ، ولو صحت لما كان لهم في شئ منها حجة بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن ، لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ، ولا بقول قائل ، لكن ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم ، فإن أوجدونا

271


بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه
طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل
- في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن
يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا
لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع
التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله
بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي
وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب
بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير
بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ،
ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم
فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به
ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
- أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ،
وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن
همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه
عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة
مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر
به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله


بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل - في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ، ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ، وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله

272


لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا ، فأمر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما
تسمع ، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة ،
وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط ، وأن ما نهى عليه السلام
عنه فواجب اجتنابه . ثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال : ثنا
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزبير
المكي ، أن أبا الطفيل عامر بن وائلة ، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره ، وقال : خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستأتون غدا
إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا
يمس من مائها شيئا حتى آتي قال : فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، العين
مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال : فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل مسستما من مائها شيئا . قالا : نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله
أن يقول . ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته صلى الله عليه وسلم .
قال علي : فهذان استحقا السب من النبي صلى الله عليه وسلم ، لخلافهما نهيه
في مس الماء ، ولم يكن هناك وعيد متقدم ، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا
ما خصه نص ، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه إلى
مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر -
عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي
عليه ، فقام عمر فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أخبرني الله تعالى فقال : * ( استغفر لهم
أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على
السبعين قال : إنه منا فق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل
: * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره
قال علي : ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره ، فحمل


لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا ، فأمر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمع ، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة ، وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط ، وأن ما نهى عليه السلام عنه فواجب اجتنابه . ثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزبير المكي ، أن أبا الطفيل عامر بن وائلة ، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره ، وقال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال : فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، العين مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال : فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا . قالا : نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول . ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته صلى الله عليه وسلم .
قال علي : فهذان استحقا السب من النبي صلى الله عليه وسلم ، لخلافهما نهيه في مس الماء ، ولم يكن هناك وعيد متقدم ، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص ، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه إلى مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أخبرني الله تعالى فقال : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين قال : إنه منا فق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره قال علي : ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره ، فحمل

273


رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظ الوارد بأو على التخيير ، فلما جاء النهي
المجرد حمله على الوجوب ، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير
والندب ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى .
فإن قال قائل : فما كان مراد الله بالتخيير ، الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على
التخيير ، وبذكره تعالى السبعين مرة ، أتقولون : إنه أراد تعالى ما قال عمر بن
الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟ .
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق ، لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ،
ولا نقول إن عمر ، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه
عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول عندنا كفر مجرد ، وبرهان ذلك أن الله
تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي ، لما أقره عليها ، ولا نزل الوحي
عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر
كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجر عمر
في ذلك أجرا واحدا ، لكنا نقول : إنه عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك على
الحقيقة ، فكان مباحا له صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك .
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما
زاد على السبعين ، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين ،
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر
لهم ، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة ، وهذا هو نفس قولنا بعينه ، فلما
أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل ، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه
حينئذ نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت ، أن
ما زاد على السبعين غير مقبول ، فدعا راج لم ييأس من المغفرة ، ولا أيقن
بها ، وهذا بين في لفظ الحديث ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد سألت بريرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لها : لو راجعتيه يعني النبي صلى الله عليه وسلم
زوجها مغيثا - فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال : لا ، إنما أشفع ففرق صلى الله عليه وسلم
كما ترى بين أمره وشفاعته ، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع
فيه عليه السلام ، وأن أمره بخلاف ذلك : وليس فيه إلا الايجاب فقط .


رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظ الوارد بأو على التخيير ، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب ، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير والندب ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى .
فإن قال قائل : فما كان مراد الله بالتخيير ، الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على التخيير ، وبذكره تعالى السبعين مرة ، أتقولون : إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟ .
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق ، لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ، ولا نقول إن عمر ، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول عندنا كفر مجرد ، وبرهان ذلك أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي ، لما أقره عليها ، ولا نزل الوحي عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجر عمر في ذلك أجرا واحدا ، لكنا نقول : إنه عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك على الحقيقة ، فكان مباحا له صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك .
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين ، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر لهم ، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة ، وهذا هو نفس قولنا بعينه ، فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل ، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه حينئذ نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت ، أن ما زاد على السبعين غير مقبول ، فدعا راج لم ييأس من المغفرة ، ولا أيقن بها ، وهذا بين في لفظ الحديث ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد سألت بريرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لها : لو راجعتيه يعني النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مغيثا - فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال : لا ، إنما أشفع ففرق صلى الله عليه وسلم كما ترى بين أمره وشفاعته ، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه عليه السلام ، وأن أمره بخلاف ذلك : وليس فيه إلا الايجاب فقط .

274

لا يتم تسجيل الدخول!